أحمد مصطفى المراغي
25
تفسير المراغي
احتجوا بها وهي أن ما عمّروه قليل ، ولو طال عمرهم لأحسنوا العمل ، واهتدوا إلى الحق فرد ذلك عليهم بأنهم كلما عمّروا في السن ضعفوا عن العمل وقد عمّروا مقدار ما يتمكنون به من البحث والإدراك كما قال : « أَ وَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ » ولكن ذلك ما كفاهم ، فهم مهما طالت أغمارهم لا يجديهم ذلك فتيلا ولا قطميرا . الإيضاح ( وَامْتازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ ) أي تفرقوا وادخلوا مساكنكم من النار ، فلم يبق لكم اجتماع بالمؤمنين أبدا ، ونحو الآية قوله : « وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكاؤُكُمْ فَزَيَّلْنا بَيْنَهُمْ » وقوله : « وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ » وقوله : « احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْواجَهُمْ وَما كانُوا يَعْبُدُونَ . مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلى صِراطِ الْجَحِيمِ » . ولما أمروا بالامتياز وشخصت منهم الأبصار وكلحت الوجوه وتنكست الرؤوس قال سبحانه موبخا لهم : ( أَ لَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ ) أي ألم أوصكم بما نصبت من الأدلة ، ومنحت من العقول ، وبعثت من الرسل ، وأنزلت من الكتب بيانا للطريق الموصل إلى النجاة - أن تتركوا طاعة الشيطان فيما يوسوس به إليكم من معصيتي ومخالفة أمرى . ثم علل النهى عن عبادته بقوله : ( إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ) أي إنه ظاهر العداوة لكم من جراء عداوته لأبيكم آدم من قبل ، ولأنه يوبقكم في مهاوى الردى ، ويوقعكم في مزالق الهلاك . ولما منع من عبادة الشيطان أمر بعبادته سبحانه فقال :